السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
356
مختصر الميزان في تفسير القرآن
قال : « فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ » ثم أجابهم عما سألهم لكون الجواب واضحا لا يختلف فيه الفريقان المتخاصمان والجواب الذي هذا شأنه لا بأس بأن يبادر السائل إلى إيراده من غير أن ينتظر المسؤول فإن المسؤول لا يخالف السائل في ذلك حتى يخاف منه الرد ، وقد حكى اللّه تعالى اعترافهم بذلك في قصة كسر الأصنام : قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ ، فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ ، ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ ( الأنبياء / 65 ) . هذا ما يقتضيه سياق الكلام أن تكون الآية من كلام إبراهيم عليه السّلام ومقولة لقوله ، وأما كونها من كلام قومه وجوابا محكيّا عنهم ، وكذا كونها من اللّه سبحانه من باب القضاء بين الطرفين المتخاصمين فما لا يساعد عليه السياق البتة . وكيف كان فالكلام متضمن تأكيدا قويا من جهة اسنادات متعددة في جمل اسمية وهي ما في قوله : « لَهُمُ الْأَمْنُ » جملة اسمية هي خبر لقوله : « أُولئِكَ » والمجموع جملة اسمية هي خبر لقوله : « الَّذِينَ آمَنُوا » الخ ؛ والمجموعة جملة اسمية ، وكذلك ما عطف على قوله : « لَهُمُ الْأَمْنُ » من قوله : « وَهُمْ مُهْتَدُونَ » فينتج أنه لا شك في اختصاص الذين آمنوا ولم يستروا إيمانهم بظلم بالأمن والاهتداء ولا ريب . فقوله : الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ معناه اشتراط الإيمان في إعطائه الأمن من كل ذنب ومعصية يفسد أثره بعدم الظلم غير أن هاهنا دقيقة وهي ان الذنب الاختياري - كما استوفينا البحث عنه في آخر الجزء السادس من الكتاب - أمر ذو مراتب مختلفة باختلاف الأفهام فمن الظلم ما هو معصية اختيارية بالنسبة إلى قوم وليس بها عند آخرين . فالواقف في منشعب طريقي الشرك والتوحيد مثلا وهو الذي يرى أن للعالم صانعا هو الذي فطر أجزائها وشق أرجائها وأمسك أرضها وسمائها ، ويرى أنه نفسه وغيره مخلوقون مربوبون مدبرون ، وان الحياة الإنسانية الحقيقية إنما تسعد بالإيمان به والخضوع له